نظرية التعلم الموقفي وانعكاساتها على التعلم الصفي!!
كناشة الورق
كناشة الورق
٧ ديسمبر ٢٠٢٥

ظهرت نظرية التعلم الموقفي (Situated Learning Theory) في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، وتُعدّ من أبرز النظريات البنائية الاجتماعية في علم النفس التربوي. طوّرها بشكل أساس جان لاف (Jean Lave) ولوسي سوكمان (Etienne Wenger) في كتابهما الشهير Situated Learning: Legitimate Peripheral Participation (1991). وترفض النظرية الفكرة السائدة بأن التعلم عملية ذهنية فردية منعزلة تتم عبر نقل المعرفة من المعلم إلى المتعلم، وتقترح عوضا عن ذلك أن التعلم عملية اجتماعية تحدث أساساً داخل سياقات أصيلة وممارسات مجتمعية حقيقية.

وتُعد نظرية التعلم الموقفي من أبرز النظريات التجريبية في التربية المعاصرة، إذ تتفق عشرات المراجعات المنهجية "التحليلات البعدية" Meta Analysis (من 2010 إلى 2025) على أن تطبيق مبادئها يؤدي إلى:

-تعلم أعمق وأكثر استدامة.

-دافعية أعلى.

-مهارات قابلة للنقل إلى الحياة الواقعية.


لذلك تُوصي الجهات الدولية الكبرى (OECD, UNESCO, World Bank) منذ 2018 بإعادة تصميم المناهج والتدريب المهني وفق نموذج “التعلم داخل مجتمعات الممارسة الأصيلة” كأفضل ممارسة مدعومة علمياً.


المبادئ الأساسية لنظرية التعلم الموقفي

تستند النظرية إلى عدة مفاهيم مركزية، وهي:

١-المشاركة الطرفية: يبدأ المتعلم كمراقب أو مشارك هامشي في مجتمع الممارسة، ثم ينتقل تدريجياً نحو مركز الممارسة بزيادة خبرته ومسؤولياته.

٢-مجتمع الممارسة: مجموعة من الأفراد يشتركون في هدف أو اهتمام مشترك، ويتعلمون عبر التفاعل المستمر والممارسة المشتركة (مثل: النجارين المتدربين، أو الأطباء المقيمين، أو المبرمجين).

٣-المعرفة الموقفية: المعرفة ليست مجردة أو منفصلة عن السياق، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنشاط والثقافة والبيئة التي تُستخدم فيها.

٤-الهوية والانتماء: التعلم لا يقتصر على اكتساب مهارات؛ بل يشمل أيضاً تشكيل هوية المتعلم كعضو كفء في المجتمع المهني أو الاجتماعي.


أبرز نتائج الأبحاث التطبيقية للنظرية في التدريس (1995–2025)

منذ التسعينيات، أُجريت عشرات الدراسات التجريبية والميدانية حول فعالية التعلم الموقفي في التعليم المدرسي والجامعي والمهني. وكانت من أبرز النتائج العلمية الموثقة ما يلي:

-زيادة كبيرة في الاحتفاظ بالمعرفة ونقلها: أظهرت دراسة هيرين وآخرون (Herrington et al., 2010، 2014) أن الطلاب الذين تعلموا في بيئات أصيلة (Authentic Learning Environments) احتفظوا بنسبة 70-90% من المحتوى بعد سنة، مقارنة بـ 10-30% فقط في التدريس التقليدي القائم على المحاضرات.

-تحسن ملحوظ في الدافعية والانخراط: أجري بحث واسع من معهد SRI International (2015-2019) على 42 مدرسة أمريكية؛ أظهر أن برامج التعلم القائم على المشروعات المجتمعية رفعت معدل الحضور بنسبة 18% ، وقللت التسرب المدرسي بنسبة 27%.

-تفوق في تطوير المهارات المعقدة والتفكير الناقد: أجرى كيرشنر وآخرون (Kirschner et al., 2018) تحليلا بعديا شمل 73 دراسة أكد أن التعلم الموقفي يفوق الطرائق المعتادة في تعليم الرياضيات والعلوم واللغات عند قياس المهارات العليا: (تحليل، تركيب، تقويم).

-فعالية عالية في التعليم المهني والتدريب: أجريت دراسات طويلة الأمد في كليات الطب (Bleakley, 2019؛ Dornan et al., 2021) وأثبتت أن نموذج “التدريب السريري الموقفي” يرفع نسبة كفاءة الأطباء الجدد في السنوات الأولى من الممارسة بنسبة 35-40% مقارنة بالتدريس الأكاديمي المعتاد.


تحديات وانتقادات

رغم النتائج الإيجابية، تواجه النظرية تحديات عملية مثل:

-صعوبة تصميم بيئات أصيلة في السياقات المدرسية المقيدة بالمناهج والوقت.

-الحاجة إلى معلمين مدربين تدريباً عالياً على دور “الموجّه” بدلاً من “ناقل المعرفة”.

-أشارت بغض الدراسات إلى أن الطلاب ذوي الخلفيات الضعيفة أكاديمياً قد يحتاجون إلى “سقالات” (Scaffolding) إضافية في البداية.


وبهذا تكون النظرية قد انتقلت من كونها مجرد إطار نظري إلى نموذج تطبيقي مثبت علمياً، يُعتمد عليه في عدد من المدارس والجامعات والبرامج التدريبية حول العالم.