يمكن في عالم الفكر تشبيه الأفكار بالمال أو السلع التي يمكن اقتراضها أو تملكها. هناك من يقترض أفكار الآخرين دون أن يضيف إليها أو يبني عليها، فيعرضها كما هي ليبدو مثقفاً أو عميقاً، وهناك من ينتج أفكاره الخاصة مستقلة ومبتكرة، حتى لو استلهم من السابقين أفكارهم؛ ولكنه يضفي عليها رؤيته وعمقه الفكري.
ومفردة "متسلّف" تعني في الأصل الذي يقترض (يستلف)، لتصبح هنا استعارة بليغة لمن يستلف أفكار الفلاسفة دون إنتاج فلسفي حقيقي. أما "المتفلسف" الحقيقي فهو من يمارس الفلسفة كفعل معرفي رصين لإنتاج رؤية مستقلة، تسعى إلى الحقيقة والحكمة. وهذا التفريق ليس جديداً؛ إذ يعود إلى أفلاطون الذي ميّز بين الفيلسوف والسوفسطائي (المتفلسف الزائف).
وفي عالم المعرفة والبحث العلمي؛ هل نحن أمام متفلسفين يبنون عوالم فكرية جديدة؟! أم أمام متسلّفين يعيدون تدوير أفكار غيرهم لأغراض شخصية أو انبهارية؟
التفلسف والسفسطة
الفلسفة في جوهرها هي محبة الحكمة (باليونانية: حب الحكمة). وعرّفها الكندي بأنها "معرفة حقيقة الأشياء بقدر طاقة الإنسان، لغرض الوصول إلى الحق في النظر والعمل".
أما التفلسف فليس مجرد كلام غامض أو استعراض لمفاهيم مجردة؛ بل هو نشاط ذهني استبصاري واعٍ، يهدف إلى كشف طبيعة الواقع والذات والأفكار والتجربة الإنسانية. وينظر إلى التفلسف بأنه ممارسة التفكير النقدي العميق، الذي يبدأ بالدهشة أمام الوجود أو عالم الأفكار، يتبعها الشك المنهجي فيما يظن أنها مسلمة أو حقيقة، ثم بالانتقال إلى السؤال الجذري عن المعاني والمضامين والجذور. كما أكد أرسطو أن الفلسفة تبدأ بالعجب (thaumazein)، وأيضا وفقا لمنهج ديكارت المعرفي والفلسفي القائم على البدء بالشك للوصول إلى اليقين.
ويقال عن إنسان ما أنه يتفلسف عندما:
- يوظف إطار الفلسفة (التأمل، السؤال الصحيح، المنطق، التحليل، البرهنة) للوصول إلى الحقيقة، لا للإقناع الذاتي أو لمجرد الظهور كفيلسوف.
- يسعى إلى الفهم بعقل حر، ومستقل عن الآراء المعلبة أو المصالح الشخصية.
- يمارس التأمل النقدي بأدواته المنهجية.
- يعترف بجهله الأولي (كما فعل سقراط: "أعلم أني لا أعلم")، ويبني معرفته على أسس متينة من البرهان والحوار العلمي.
وفي المقابل، تبرز "السفسطة " كنقيض للتفلسف. إذ نشأت السفسطة في اليونان القديمة مع السوفسطائيين الذين ركزوا على فن الخطابة والجدل والإقناع، لا على البحث عن الحقيقة؛ بل عبر المغالطات والتلاعب اللغوي. قال بروتاغوراس: "الإنسان مقياس كل شيء"، مما يجعل الحقيقة نسبية، خاضعة للرأي الشخصي والمصلحة.
وتستعمل السفسطة المغالطات المنطقية واللعب بالألفاظ؛ لكسب الجدل وليس لكشف الحقيقة. وتركّز في أدائها على الإقناع السطحي، وقد انتقدها أفلاطون في حواراته، إذ صوّر السفسطائيين كتجار كلام يبيعون "الحكمة المموهة".
التمييز العملي: متى يكون الخطاب تفلسفًا صحيحًا؟
يقال عن إنسان ما أنه يتفلسف؛ عندما يرتقي بخطابه إلى مستوى التأمل الجذري، فيسأل "لماذا؟" و"ما معنى؟"ويشك في الآراء الشائعة، ويبرهن منطقيًا دون مغالطة. أما إذا استعمل الأفكار الفلسفية للتباهي أو الدفاع عن مصلحة شخصية؛ فهو يمارس سفسطة، لا تفلسفًا. فالفيلسوف باحث عن الحقيقة والرؤية المستقلة.
الخلاصة
إن الفيلسوف ليس مجرد ناقل للأفكار؛ بل إنه مؤثر بها أو منتج لها. إذ يبدأ في تفلسفه من التأمل عند الإثارة والتعجب أمام الأفكار، ثم يبدأ بالشك المنهجي بها، طارحا باستمرار أسئلة جذرية ومركزية؛ ليبني ذاتيا نظاماً فكرياً متماسكاً يعكس رؤيته الخاصة. حتى لو استلهم الفيلسوف من سابقيه (كما فعل أرسطو مع أفلاطون، أو كانط مع هيوم)، فإنه يحول تلك الأفكار ويبني عليها نظاماً جديداً. فديكارت مثلاً شكّ في كل شيء معرفي ليصل إلى "أنا أفكر إذا أنا موجود"، مؤسساً فلسفة حديثة مستقلة.
أما "المتسلّف" في عالم الفلسفة؛ فهو من يستلف أفكار الفلاسفة ويعرضها كأنها من جهده الذاتي، ومن غير فهم عميق لها أو إضافة شخصية ناتجة عن تأمل عميق ومتصل. وهو بذلك يشبه السوفسطائيين عند أفلاطون، الذين كانوا يبيعون "الحكمة" مقابل المال، مستندين إلى الخطابة (الرتوريك) للإقناع لا للبحث عن الحقيقة.
فالفلسفة ليست تراكماً للاقتباسات؛ بل هي ممارسة تأملية تفاعلية تبدأ من الذات، وتسعى لفهم عالم الفكر، للنهوض بالفكر والعمل.