يُعدّ الخيال (Imagination) والواقع (Reality) قطبين أساسيين في الحياة الإنسانية، إذ يتداخلان معا في مزيج يصعب فصله تماما؛ ليشكلا الوعي والإبداع. ويُعرف الخيال بأنه القدرة على توليد صور ذهنية أو سيناريوهات ذهنية غير موجودة في الواقع الحسي المباشر، بينما يمثل الواقع البيانات والمدركات الحسية والأحداث الموضوعية.
وفي علم النفس العصبي يُعامل الدماغ الخيال كعملية بناءة تعتمد على شبكات عصبية مشتركة مع الإدراك الواقعي، مما يجعل الفصل بين عملياتهما الذهنية أمرا صعبا.
آليات الدماغ في التعامل مع الخيال والواقع
يعتمد الدماغ على شبكة افتراضية مشتركة (Shared Neural Network) لمعالجة الخيال والواقع، كما أظهرت ذلك دراسات التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (fMRI). وعلى سبيل المثال دلّت أبحاث كوسلين وآخرين (Kosslyn et al., 2001) أن مناطق القشرة البصرية (Visual Cortex) تنشط بالطريقة نفسها سواء أكان الفرد يرى كائنًا حقيقيًا أم يتخيله، مما يشير إلى أن الخيال يعيد بناء الإدراك الحسي عبر إشارات داخلية بدلاً من خارجية.
في المقابل يميز الدماغ بين الاثنين؛ عبر آليات تنفيذية في القشرة الأمامية الجبهية (Prefrontal Cortex). وأوضحت دراسة شاكتر وآخرين (Schacter et al., 2012) أن “شبكة الوضع الافتراضي”تنشط أثناء الخيال التلقائي، بينما تثبط أثناء التركيز على الواقع لتجنب الارتباك. ويقسّر هذا التداخل ظاهرة “الوهم الخيالي” (Imagery-Induced Illusion)، إذ يمكن للخيال أن يعدل الإدراك الواقعي، كما في تجارب العلاج السلوكي المعرفي.
أما العقل (Mind)، كمفهوم فلسفي-نفسي، فيعالج الخيال كأداة للتنبؤ والتكيف. وعلى ذلك تفترض نظرية “المحاكاة الذهنية” (Mental Simulation Theory) لبارس (Barsalou) وآخرين؛ أن العقل يستعمل الخيال لمحاكاة سيناريوهات مستقبلية، مما يعزز القدرة على حل المشكلات. وهذا يتجلى في نشاط الحُصين (Hippocampus)، الذي يربط الذكريات الواقعية بالخيالية لتشكيل “ذاكرة مستقبلية”.
استراتيجيات تطوير الخيال التعليمي
في السياق التعليمي يُعد الخيال أداة أساسية لتعزيز التعلم النشط والإبداع، كما أكدت نظرية فيجوتسكي في “منطقة التعلم الوشيك ” (Zone of Proximal Development).
وهنا مجموعة استراتيجيات مدعومة بأدلة تجريبية تساعد في تطوير الخيال:
اللعب الدرامي والسيناريوهات الافتراضية: أظهرت دراسة بيرك وآخرين (Berk, 2013) أن الأطفال الذين يشاركون في ألعاب درامية يحسنون مهارات الخيال بنسبة 25%، حيث ينشط ذلك شبكة DMN، ويربط الخيال بالواقع التعليمي.
التصور الذهني الموجه: وهي تقنية تستعمل في التعليم لتخيل مفاهيم مجردة، مثل: تصور الذرات في الكيمياء. وأشار أحد الأبحاث إلى أن هذه التقنية تزيد من الاحتفاظ بالمعلومات بنسبة 30% عبر تعزيز الروابط العصبية في القشرة الجدارية.
الكتابة الإبداعية والرسم الحر: في دراسة حديثة لروت-برنشتاين (Root-Bernstein, 2020) توصلت إلى أن دمج الرسم في المناهج يطور الخيال عبر تنشيط المناطق البصرية-المكانية، مما يحسن الأداء الأكاديمي في العلوم والرياضيات.
التقنيات الافتراضية (VR/AR): هي أدوات مثل: الواقع الافتراضي والواقع المعزز اللذان يدمجان الخيال مع الواقع، كما في تجارب ناسا التعليمية. إذ أشار أحد الأبحاث إلى أن الخيال المكاني أظهر تحسنًا بنسبة 40% لدى الطلاب.
وتلك الاستراتيجيات تعتمد على مبدأ “التكرار المتعمد” (Deliberate Practice)، إذ يُشجع المتعلم على بناء خيال منظم يرتبط بالأهداف التعليمية، مما يقلل من الفجوة بين الخيال والواقع.
ويُظهر التكامل بين الخيال والواقع في الدماغ أن الخيال ليس هروبًا؛ بل آلية تكيفية أساسية. وفي التعليم يمكن تطوير الخيال عبر استراتيجيات مدعومة علميًا لتعزيز الإبداع والفهم العميق. وقد تكشف -مستقبلا- تقنيات الذكاء الاصطناعي والتصوير العصبي مزيدا عن هذا التداخل، مما يفتح آفاقًا جديدة للتربية. ولكن يبقى التحدي في إيجاد توازن الخيال مع الواقع لتحقيق تعلم مستدام.