في قلب المنهج التربوي الإسلامي يبرز التعليم والتعلم كعملية جماعية متكاملة، لا تقتصر على المعرفية الفردية؛ بل تتجاوزها إلى بناء مجتمع معرفي متماسك سلوكيا وقيميا.
والإسلام يولي اهتماما بالتوازن بين ممارسة العبادات الفردية والجماعية، إذ تُمارس أركان الشريعة الإسلامية مثل: الصلاة والحج ودروس العلم في سياق تعلمي اجتماعي؛ لتعزيز التعلم التبادلي، الأمر الذي يعكس حكمة إلهية تهدف إلى تعزيز الروابط الإنسانية، وتنمية المهارات الاجتماعية، وتحقيق التربية الشاملة. وهو ما أكدت عليه بعض نظريات التعلم مثل: الاجتماعية المعرفية، والبنائية الاجتماعية، والشبكية الترابطية؛ إذ ارتكزت على أن التعلم يأتي من خارج الذات ابتداء، ويتم في وسط اجتماعي تفاعلي.
الصلاة الجماعية: نموذج للتعلم الاجتماعي التفاعلي
تُعد الصلاة الجماعية أبرز مظاهر التعلم الجماعي في الإسلام. يقول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (البقرة: 43)، مما يؤكد على أن الركوع كإشارة إلى ركن من أركان الصلاة مع الجماعة؛ هو وسيلة تقارب وامتثال واتجاه نحو الهدف. وفي المسجد يصطف المصلون خلف إمام واحد، يتعلمون عبر محاكاة النموذج المباشر، فالطفل يراقب الكبير، والجاهل يتبع العالم، والمبتدئ يصحح أخطاءه عبر الملاحظة، والغافل ينتبه لخشوع غيره، وقراءة الإمام الجهرية تمنح فرصة للتدبر واستحضار القلب "بيت التعلم".
ويشبه ذلك من الناحية العلمية “التعلم بالنمذجة” (Modeling Learning) الذي طوره عالم النفس باندورا في نظريته الاجتماعية المعرفية، إذ يحدث التعلم عبر الملاحظة والمحاكاة، مما يعزز الثقة بالنفس، ويقلل من الأخطاء. وأظهرت دراسة نشرت في مجلة Journal of Personality and Social Psychology (1986) أن التعلم الجماعي يزيد من الاحتفاظ بالمعلومات بنسبة 70% مقارنة بالتعلم الفردي، وهو ما يتاح في الصلاة أيضا؛ إذ يتعلم المصلي الخشوع والتركيز والتدبر عبر الجو الجماعي نفسه.ومن ذلك ما أشار إليه عالم الاجتماع دوركايم في أن التجمعات الشعائرية تساعد في اندماج الفرد في الجماعة، فيشعر بطاقة أكبر.
ويكمن السر في “التأثير الاجتماعي” إذ يحسن الأداء في حضور الآخرين، كما أثبتت ذلك تجارب روبرت زاجونك (Zajonc).
وأيضا في دراسة بعنوان: Groups and Emotional Arousal Mediate Neural Synchrony and Perceived Ritual ، للباحثين منهم فيليب شو ، طبقت على مجموعات تؤدي طقوسًا دينية، وسُجِّلت بيانات تخطيط كهربية الدماغ (EEG) ووجدت تزامنًا في موجات ألفا وثيتا بين أدمغة المشاركين “تزامن عصبي جماعي”، أي أنها تؤكد على أن الجماعة تهيء “شبكة عصبية مشتركة” تعزز نقل المشاعر والتعلم العاطفي، تمامًا كما في الصلاة الجماعية.
وعلى ذلك فإن أداء الصلاة جماعيا يمنع الغفلة الفردية، في حين يعزز العاطفة والإحساس بالمسؤولية المشتركة، مما يحول العبادة إلى تجمع تعلمي يومي.
الحج: مختبر تعليمي عالمي
يُمثل الحج ذروة التعلم الجماعي، إذ يجتمع ملايين المسلمين من كل الأعراق والثقافات في مكة. إذ تتم الشعائر – كالطواف والسعي – في تجمع هائل، يتبادل فيه الحجاج الخبرات والمعارف أثناء موسم الحج (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)، والمنافع تتضمن التعلم ونقل الخبرات النافعة. وقد يُشبه التعلم في الحج ضمن "التعلم التجريبي” حسب نموذج كولب (Kolb)، الذي ينطوي ضمن أربع مراحل هي: التجربة الملموسة، والملاحظة التأملية، والتجريد المفاهيمي، والتطبيق النشط.
و يعيش الحاج التجربة الجماعية في التعلم، إذ يلاحظ تنوع الشعوب وخبراتهم، ويستخلص منها دروس التوحيد والثراء الخبراتي، ثم يعود ليطبقها في مجتمعه. والسر هنا يكمن في مبدأ"التعلم عبر التنوع"، إذ أظهرت دراسات في علم الاجتماع أن التفاعل مع الآخرين المختلفين يعزز الابتكار والتسامح. كما يتعلم المسلمون في الحج الصبر والتعاون، مما يقلل من التحيزات، ويبني رأس مال اجتماعي بشري يدوم مدى الحياة.
دروس وحلقات العلم: التعلم التعاوني
تُمارس دروس العلم في المساجد كحلقات جماعية، كما كان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الحديث: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة…”فهنا يسأل الطالب، ويجيب المعلم، ويتشارك الحضور في النقاش.وفي لفتة أخرى في الحديث "هم القوم لايشقى بهم جليسهم" وهي دلالة على حصول منافع غير منظورة للتعلم الجماعي.
وقد تبدو الحكمة الإلهية والتربوية في التعلم الجماعي؛ بأنه يساعد في تحقيق التوازن بين الفردية والجماعية، ويقلل من العزلة الفردية، ويعزز الدعم الاجتماعي، وانتقال الخبرات عبر الأجيال، ويمنع التفرد في الرأي، ويتيح وقتا للمدارسة والتواصل المعرفي.