فنلندا: من نموذج التعليم العالمي إلى أزمة تعليمية عميقة
1
كناشة الورق
كناشة الورق
٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥

1. مقدمة تنفيذية

لطالما اعتبرت فنلندا النموذج الذهبي للتعليم عالمياً، حيث كانت وجهة للتربويين وصناع القرار من جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، تكشف أحدث البيانات لعام 2025 عن تحول جذري ومقلق. لم يعد الأمر يتعلق بتباطؤ بسيط، بل تواجه البلاد أزمة تعليمية هيكلية تهدد مكانتها وتنافسيتها الاقتصادية. يسلط هذا التقرير الضوء على الأرقام الصادمة، الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع، والخطوات الجريئة التي تتخذها الحكومة الفنلندية لاستعادة مسارها.


📊 2. الأرقام والحقائق الصادمة

أظهرت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لعام 2025 واقعاً مغايراً للصورة النمطية عن التعليم الفنلندي، حيث تراجعت المؤشرات الرئيسية بشكل ملحوظ.

  • انخفاض التحصيل الجامعي: تراجعت نسبة الشباب (25-34 عاماً) الحاصلين على شهادة جامعية من 40% في عام 2021 إلى 39% في عام 2024.
  • أقل من المعدلات العالمية: هذا المعدل يضع فنلندا أقل بكثير من متوسط دول OECD البالغ 48%.
  • تراجع نادر: تُعد فنلندا واحدة من ست دول فقط في المنظمة شهدت تراجعاً في هذا المؤشر، بينما تتقدم معظم الدول الأخرى.
  • ارتفاع البطالة: قفزت معدلات البطالة بين الشباب الذين لا يحملون شهادة ثانوية من 17% عام 2019 إلى 23% عام 2024.


📉 3. تراجع الأداء في اختبارات PISA

منذ 2006، تشهد فنلندا انحداراً مستمراً في نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلاب (PISA)، وهو ما يُعد إنذاراً أحمر للنظام التعليمي.

  • القراءة: تراجع أداء الطلاب بما يعادل عاماً دراسياً كاملاً مقارنة بأقرانهم في عام 2006.
  • الرياضيات: زادت نسبة الطلاب "ضعاف الأداء" بمقدار 12.6 نقطة مئوية منذ عام 2012.
  • العلوم: انخفض مستوى الأداء بمقدار 10.6 نقطة مئوية في نفس الفترة.

تصور لتراجع الكفاءة التعليمية (النقاط المئوية المفقودة)


👨‍👩‍👦 4. الفجوات التعليمية المتزايدة

لم يعد التعليم الفنلندي يحقق المساواة التي اشتهر بها، حيث اتسعت الفجوات بشكل غير مسبوق:


الفجوة الجنسانية

تتفوق النساء بشكل كاسح في التعليم العالي، حيث يحمل 84% منهن شهادات مقارنة بـ 67% فقط للرجال. هذه الفجوة (17 نقطة) هي من بين الأعلى عالمياً.


الفجوة الجغرافية والاجتماعية

·    المدن مقابل الريف: تبلغ نسبة التحصيل العلمي في المناطق الحضرية 46% بينما تنخفض إلى 27.6% في المناطق الريفية.

·    المهاجرين: فقط 29.9% من الشباب المولودين خارج فنلندا يحملون شهادات عليا، مقابل 40.9% للمواطنين الأصليين.

·    تأثير الأسرة: أصبح النجاح التعليمي مرتبطاً بشكل وثيق بالمستوى التعليمي للوالدين، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل.

🔍 5. الأسباب المحتملة للأزمة

أ. الثورة الرقمية والآثار السلبية:

أدى الاعتماد المفرط على الأجهزة الرقمية في الفصول الدراسية إلى نتائج عكسية. يقضي المراهقون الفنلنديون ما يصل إلى 6 ساعات يومياً أمام الشاشات، مما أدى إلى تشتت الانتباه وضعف القدرة على التركيز العميق. وقد بدأت بعض المدارس في مدن مثل "ريهيماكي" بالعودة الطوعية للكتب الورقية.

ب. تراجع عادات القراءة:

انخفضت معدلات استعارة الكتب من المكتبات العامة بشكل حاد (من النصف إلى الثلث منذ 2006). تغيرت أنماط استهلاك المعلومات لدى الجيل الجديد لتصبح سريعة وسطحية.

ج. العوامل الاقتصادية والنظامية:

شهد التمويل تراجعاً نسبياً من 4.6% إلى 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي. الأهم من ذلك، انخفض الإنفاق الحقيقي لكل طالب في التعليم العالي بنسبة 14%، مما أثر على جودة الموارد وتوفر المعلمين.

"عندما تكون قلقاً ومرهقاً، فلن تتعلم، ولن تهتم أو تتحمس."

البروفيسورة كاتارينا سالملا-آرو، جامعة هلسنكي، في إشارة إلى تأثير الصحة النفسية المتدهورة.


🛠 6. الحلول والإصلاحات الجديدة 2025

أمام هذا الواقع، أطلقت الحكومة الفنلندية حزمة إصلاحات عاجلة:

  1. زيادة ساعات التدريس: إضافة 3 ساعات أسبوعياً لتدريس المواد الأساسية (القراءة، الكتابة، الرياضيات) باستثمار قدره 200 مليون يورو.
  2. إصلاح نظام الدعم التعليمي: وضع حد أقصى (5 طلاب) لعدد الطلاب الذين يحتاجون لدعم خاص في الفصل الواحد لضمان جودة التركيز، مع تخصيص 100 مليون يورو للدعم الفردي.
  3. التحول الرقمي المحكوم: إصدار تشريع يحظر استخدام الهواتف الذكية الشخصية في المدارس أثناء الدروس اعتباراً من أغسطس 2025، إلا لأغراض تعليمية محددة.
  4. دعم المهاجرين: إطلاق "برنامج الإنصاف" (2025-2027) لتقليص فجوات التعلم ودمج الطلاب من خلفيات مهاجرة بشكل أفضل.

🎯 7. استراتيجية STEM 2030

على الرغم من الأزمة، لا تزال فنلندا تحاول الحفاظ على تفوقها في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).

  • حالياً، يدرس 35.3% من الطلاب في تخصصات STEM (أعلى من معدل الاتحاد الأوروبي).
  • الهدف هو سد الفجوة المتوقعة في سوق العمل والتي تقدر بـ 130,000 عامل ماهر جديد.
  • يتم التركيز بشكل خاص على مبادرات لجذب المزيد من النساء لهذه التخصصات لتقليل الفجوة المهنية.

💰 8. التكلفة الاقتصادية والآفاق المستقبلية

للأزمة التعليمية ثمن باهظ. تشير التقديرات إلى أن الحصول على شهادة جامعية يزيد من أرباح الفرد مدى الحياة بمقدار 550,000 يورو للرجال و400,000 يورو للنساء. تراجع التعليم يعني تراجعاً مباشراً في الدخل القومي والنمو الاقتصادي المستقبلي.

🔮 التوقعات المستقبلية:

تواجه فنلندا طريقاً طويلاً للتعافي. الإصلاحات التي بدأت في 2025 قد تحتاج لسنوات لتظهر نتائجها في مؤشرات PISA أو معدلات التخرج. التحدي الأكبر يكمن في الموازنة بين "العودة للأساسيات" (الكتب، الكتابة اليدوية) وبين الحفاظ على الابتكار التكنولوجي.

🌍 9. دروس للعالم العربي

تقدم التجربة الفنلندية دروساً حيوية لصناع القرار في العالم العربي:

  • خطر الرقمنة العشوائية: إدخال التكنولوجيا للفصول دون ضوابط تربوية صارمة قد يؤدي لتشتت الانتباه وتراجع المهارات الأساسية.
  • أهمية المراقبة: حتى أفضل الأنظمة يمكن أن تتراجع بسرعة إذا لم تتم مراقبة المؤشرات بانتظام.
  • العدالة الاجتماعية: يجب أن تضمن الأنظمة التعليمية عدم تخلف الفئات الأقل حظاً أو المناطق النائية عن الركب.

📚 10. المصادر والمراجع

  • OECD (2025), Education at a Glance 2025: Finland.
  • European Commission (2025), Education and Training Monitor 2025: Finland.
  • Reuters (2024), "Finnish schools return to books".
  • Helsinki Times & Yle News reports regarding 2025 education reforms.


 تاريخ إعداد التقرير: 26 ديسمبر 2025