لماذا يتصرف الفرد بشخصيات مختلفة في المواقف المختلفة مع أفراد مختلفين ويبدو كأنه متناقض؟!!
كناشة الورق
كناشة الورق
١٠ يناير ٢٠٢٦

يُعد تباين سلوك الفرد عبر السياقات الاجتماعية ظاهرة نفسية معقدة، إذ يظهر الشخص جوانب مختلفة من شخصيته بناءً على الظروف أو الأشخاص المحيطين به. وهذا التباين ليس مجرد تغيير سطحي؛ بل يعكس تفاعلات نشطة بين العوامل الداخلية (مثل: السمات الشخصية) والخارجية (مثل: الضغوط الاجتماعية). ويمكن تفسير ذلك التباين في التصرفات بالاستناد إلى دراسات وأدلة تجريبية، ونظريات مثل: الإسناد، والتحديد المتبادل، والهوية الاجتماعية.


الجدل بين الشخص والوضع أو السياق (Person-Situation Debate)

يُعد هذا الجدل أحد أبرز المناقشات في علم النفس، إذ يناقش التوازن بين سمات الشخصية الثابتة والتأثيرات الوضعية المتغيرة في تحديد السلوك. ويرى علماء السمات الشخصية أن الشخصية تكون مستقرة نسبيًا عبر المواقف، بينما يؤكد الوضعيون (السياقيون) أن السلوك يعتمد بشكل أساس على السياق. وعلى سبيل المثال قد يتصرف الشخص بانبساطية في مناسبة اجتماعية مع أصدقاء، لكنه يصبح انطوائيًا في اجتماع عمل رسمي، مما يعكس تأثير الوضع على السمات.

ويدعم ذلك التفسير نموذج الخمسة الكبرى للشخصية (Big Five) إذ تتفاوت السمات مثل: الانبساطية والعصبية عبر السياقات، مع ارتباط التباين العالي بالعصبية المرتفعة. في حين أظهرت دراسات حديثة أن هذا التباين يساعد في التكيف، لكنه قد يؤدي إلى اضطرابات إذا كان مفرطًا، كما في اضطراب الشخصية الحدي.

وهذا الجدل الذي بدأه والتر ميشيل Walter Mischel في الستينيات؛ مؤكدا على أن السلوك يتشكل إلى حد كبير طبقاً لضرورات موقف معين، وأن فكرة أن الأفراد يتصرفون بأساليب ثابتة باستمرار عبر المواقف المختلفة التي تعكس تأثير سمات الشخصية الأساسية؛ هي مجرد خرافة.


نظرية الإسناد (Attribution Theory)

تفسر نظرية الإسناد أسباب السلوكيات المتعددة للأشخاص، سواء كانت داخلية (مثل: الشخصية) أو خارجية (مثل: الظروف) في سياق تباين السلوك، فقد يُنسب التصرف المختلف إلى عوامل وضعية، مثل: الضغط في العمل الذي يجعل الشخص أكثر صرامة، أو عوامل شخصية مثل: المزاج. وعلى سبيل المثال إذا تصرف صديق ببرود في لقاء عام؛ قد يُنسب ذلك إلى السياق الاجتماعي بدلاً من تغيير في شخصيته.

هذه النظرية تُبرز الخطأ الأساس في الإسناد؛ إذ نميل إلى تجاهل السياق والتركيز على السمات الشخصية، مما يفسر لماذا نلاحظ التباين في الآخرين أكثر مما نلاحظه في أنفسنا. دراسات تجريبية أكدت أن هذا الإسناد يؤثر على كيفية تفسيرنا لسلوكياتنا الخاصة، مما يسمح بمرونة أكبر في المواقف المختلفة دون شعور بالتناقض.


نظرية التحديد المتبادل (Reciprocal Determinism)

اقترح ألبرت بندورا Albert Bandura هذه النظرية ضمن نظريته الاجتماعية الإدراكية، مفسرًا أن السلوك يتأثر بتفاعل متبادل بين ثلاثة عوامل (ينظر الشكل) هي: الفرد (السمات والخبرة)، والسلوك، والبيئة. وهذا يعني أن التصرفات المختلفة ليست عشوائية؛ بل هي نتيجة لدورة تفاعلية: يؤثر السياق على الفرد، الذي يغير سلوكه، مما يعدل البيئة بدوره. وهذه النظرية تفسر التباين كعملية تطورية للتكيف، وتدعمها دراسات في علم النفس الاجتماعي.

نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory)

طورها كل من: هنري تاجيل Henri Tajfel وجون تيرنر John Charles، وتفسر هذه النظرية كيف تؤثر الانتماءات الجماعية على السلوك. إذ يقسم الفرد هويته إلى هوية شخصية واجتماعية، وبناء عليه يتغير السلوك ليتناسب مع الهوية الاجتماعية السائدة في السياق. وعلى سبيل المثال في مجموعة أصدقاء قد تبرز الهوية الترفيهية، بينما في العمل تبرز الهوية المهنية، مما يؤدي إلى تصرفات مختلفة. وهذا يفسر التباين في المجموعات، مثل: الامتثال أو فقدان الهوية الفردية،. وأظهرت دراسات أن هذه النظرية تنطبق على التمييز بين المجموعات، مما يجعل السلوك أكثر تكيفًا مع التوقعات الجماعية.



خلاصة

يتصرف الفرد بشخصيات مختلفة بسبب تفاعل معقد بين السمات الداخلية والسياقات الخارجية، كما تفسر النظريات المذكورة هذا التباين ليس عيبًا؛ بل قد تكون ميزة تكيفية تساعد في بناء علاقات ناجحة، لكنه يتطلب توازنًا لتجنب الإجهاد النفسي. والدراسات المستقبلية قد تركز على التأثيرات الرقمية على اختلاف السلوك، مثل: السلوك عبر الإنترنت مقابل الواقع.