ما وراء تدوير 1.4 مليون كتاب: أزمة مؤسسات أم أزمة قراءة؟
كناشة الورق
كناشة الورق
١١ ديسمبر ٢٠٢٥

في الثالث من ديسمبر الحالي نشر الأستاذ علي بن سعد القحطاني، نائب مدير تحرير الجزيرة الثقافية، تغريدة على حسابه في منصة X حول إعادة تدوير كمية هائلة من الكتب تضم نحو ٦٠٠ ألف كتاب عربي و ٨٠٠ ألف كتاب إنجليزي في مختلف فروع المعرفة، تابعة لإحدى المكتبات الشهيرة في جدة يعود بعضها إلى أكثر من أربعين عامًا من تاريخ الطباعة. وقد مثّلت هذه المجموعة مخزونًا ضخمًا من العناوين المتنوعة، قُدِّرت قيمتها الإجمالية بنحو ٤٠٠ ألف ريال—دون احتساب تكاليف النقل والتخزين.

يومها أثار الخبر اهتمامي، بالقدر نفسه الذي ترك في صدري غصّة عميقة؛ فالكتاب بالنسبة لي، منذ نعومة أظافري، بمنزلة الماء والهواء.

إن التخلّص من قرابة مليونٍ وأربعمائة ألف #كتاب في مختلف صنوف المعرفة لا يعني أنها مجرّد فائض مخزون؛ بل إن المشهد يحمل دلالات أعمق بكثير، سوف أحاول المرور عليها دون إطاله.


تحوّلات سلوك القارئ المعاصر

شهد العقد الأخير تغيرًا جذريًا في أنماط القراءة:

  • التحوّل نحو الكتاب الرقمي قلّل من حضور الكتاب الورقي.
  • ظهور الكتب المسموعة جذب شريحة واسعة تبحث عن استهلاك معرفي أسرع وأسهل.
  • الكتب المطبوعة منذ أربعين عامًا، بل وحتى قبل عشر سنوات، أصبحت أقل جاذبية للأجيال الجديدة.
  • سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي على وقت القرّاء حرمت القراءة من مساحتها الطبيعية.

لذا لم يعد غريبًا أن يشكو الكتاب الورقي قلّة مريديه، وسقى الله زمنًا كنّا نتباهى فيه بأن #القراءة من أحبّ هواياتنا.


قصور في النموذج التجاري للمكتبات

من جانب آخر، فإن إصرار بعض أصحاب المكتبات على الاكتفاء بالبيع داخل الفروع - دون التحوّل إلى المتاجر الإلكترونية - قلّل كثيرًا من فرص رواج الكتب، خاصة مع ازدحام المدن وصعوبة تنقّل القارئ للحصول على كتاب واحد.

كذلك فإن الدور المفقود للمدارس والجامعات في تعزيز عادة القراءة أسهم في تقويض تداول #الكتب وانتشارها، في حين كان بإمكان تلك المؤسسات أن تكون رافدًا مهمًا في إحياء الحركة القرائية.

ولا يمكن تجاهل أثر غياب #التسويق الاحترافي، الذي حال بين آلاف العناوين وبين وصولها إلى القرّاء. وهو ما يعني أنه في بعض الحالات لا تكون المشكلة في قيمة الكتب، بل في كيفية تقديمها وعرضها للقارئ.


التخزين .. مقابر صامتة للكتب

تفاقم المشكلة يعود أيضًا إلى أن كثيرًا من المكتبات تقوم بتخزين الكتب بلا خطة واضحة، رغم ارتفاع تكاليف التخزين عامًا بعد عام. وهذا يؤدي في النهاية إلى التلف أو الإهلاك تحت لافتة “إعادة التدوير”.

ولو وُجد تنسيق حقيقي منذ البداية بين المكتبات ومؤسسات المجتمع، لوجدت كثيرٌ من هذه الكتب طريقها إلى من يقدّر قيمتها؛ سواء عبر البيع المخفّض، أو التبرع المؤسسي للمدارس والجامعات، أو للجهات الخدمية التي تحتاج إلى دعم معرفي.


نحو مبادرة وطنية لإحياء المخزون الثقافي

إننا بحاجة إلى مبادرة وطنية لإحياء المخزون الثقافي؛ مبادرة تنقذ ما يمكن إنقاذه قبل أن نقف مرغمين أمام مشاهد مماثلة نرى فيها آلاف الكتب تُساق إلى مصيرها الأخير.

وما أشدّ وقع عبارة #إعادة_التدوير هنا؛ فهي تُفيد صناعة الورق، لكنها لا تُعيد الحياة للفكر والمعرفة التي سطّرها مؤلفون أفنوا أعمارهم في كتابة تلك الكتب.


قد يُعاد تدوير الورق .. لكن من يُعيد تدوير العقول والأفكار التي ضاعت بين طول التخزين وضعف التقدير، ثم انتهى بها المطاف إلى الهلاك؟

بقلم / أ. غمدان محمد البعداني