يُعدّ تطوير الأقسام العلمية في الجامعات ومراجعة برامجها ومقرراتها خيارًا استراتيجيًا أكثر رشادة وفاعلية من اللجوء إلى إلغاء التخصصات أو إقفالها، لما يترتب على الخيار الأخير من خسائر معرفية ومؤسسية يصعب تعويضها.
وكما نعلم الأقسام العلمية ليست مجرد وحدات إدارية، بل هي حواضن لإنتاج المعرفة، وتراكم الخبرات، وبناء الهوية الأكاديمية للمؤسسات التعليمية.
وينبغي أن ينطلق تطوير الأقسام من منهجية علمية قائمة على التقويم الدوري الشامل، الذي يستند إلى مؤشرات أداء واضحة، مثل مخرجات التعلم، ونسب التوظيف، وجودة البحث العلمي، ومدى توافق البرامج مع احتياجات سوق العمل، والتحولات المعرفية العالمية.
ولا يجب أن يقتصر التقويم على الجوانب الكمية، بل يشمل أيضًا تحليلًا كميًا نوعيًا لمحتوى المقررات، وطرائق التدريس، وفاعلية البيئة التعليمية، ومدى التمكن.
وفي هذا السياق، تمثل مراجعة البرامج الأكاديمية عملية ديناميكية تهدف إلى تحديث البنية المعرفية للتخصص، عبر إدماج المستجدات العلمية والتكنولوجية، وتعزيز الطابع البيني وهو - جوهرة في نظري - تحتاج صائغ ماهر -، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي والتجريب.
كما أن إعادة تصميم المقررات والمواد الدراسية ينبغي أن يركز على تنمية المهارات العليا - الصلبة والناعمة - لدى الطلبة، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل التعاوني، بدلاً من الاقتصار على التلقين المعرفي.
ومن الأدوات الفاعلة في هذا المسار: الاستفادة من المقارنات المرجعية مع أقسام علمية في جامعات رائدة، وتفعيل دور المجالس الاستشارية التي تضم خبراء من الصناعة وسوق العمل، وإشراك الخريجين في تقييم البرامج.
إن تطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس ركيزة أساسية كذلك في هذا السياق، من خلال التدريب المستمر على أساليب التعليم الحديثة، واستخدام التقنيات الرقمية، وتبني ممارسات تعليمية مبتكرة ذات حداثة وأصالة وقدرة .
إن إلغاء التخصصات قد يبدو حلاً سريعًا لمشكلات ضعف الإقبال أو تدني المخرجات، لكنه في الواقع يعكس قصورًا في إدارة التغيير، ويؤدي إلى تقليص التنوع المعرفي الذي تحتاجه المجتمعات. أما الإصلاح القائم على التطوير المستمر، فيعزز الاستدامة الأكاديمية، ويتيح للأقسام إعادة تموضعها ضمن منظومة التعليم العالي بما يتلاءم مع المتغيرات.
وعليه، فإن الرؤية الأكاديمية الرصينة تقتضي الانتقال من منطق الإلغاء إلى منطق التحسين، ومن ردود الفعل الآنية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، بما يضمن الحفاظ على رأس المال المعرفي، وتعظيم أثره في التنمية الشاملة.
أ.د. أحمد الحسين - أستاذ المناهج وتطوير التعليم