تُعد التحيزات المعرفية cognitive biases أنماط تفكير غير واعية، تؤثر على كيفية معالجة المعلومات، وغالباً ما تكون عقبة أمام التعلم الفعال، بل تؤدي إلى انحرافات في الحكم والقرار.
وفي سياق التعليم يمكن أن تؤدي هذه التحيزات إلى تقويمات خاطئة، مما يفوّت فرص تحسين التعلم.
وهذه التحيزات تنشأ من اختصارات عقلية (heuristics) تساعد الدماغ في معالجة المعلومات بسرعة؛ في حين أنها قد تؤدي إلى أخطاء في النتيجة. وسنركز على أبرز التحيزات المعرفية الشائعة في التعليم والتعلم واتخاذ القرار.
تحيز التأكيد (Confirmation Bias)
يحدث هذا التحيز عندما يركز الفرد على المعلومات التي تؤكد معتقداته المسبقة، ويتجاهل الدلائل المخالفة لمعتقداته، بمعنى أنه يبحث عن الأدلة التي تؤيد رأيه أو معتقده فقط. وفي التعلم يؤدي ذلك التحيز إلى رفض أفكار جديدة أو استراتيجيات تعليمية مختلفة، مما يحد من النمو الفكري للطلاب والمعلمين على حد سواء. وعلى سبيل المثال قد يبحث طالب عن مصادر تؤيد نظريته دون النظر في الآراء المضادة.
الحل: تشجيع البحث النشط عن آراء معارضة، مثل: طرح سؤال “كيف يمكن أن تكون هذه الفكرة خاطئة؟”، ومناقشته جماعيا لتحدي الافتراضات. وهذا يعزز الوعي الذاتي، ويحسن التعلم.
تأثير دانينغ-كروغر (Dunning-Kruger Effect)
يتمثل هذا التحيز في أن الأشخاص ذوي الكفاءة المنخفضة يبالغون في تقدير قدراتهم، بينما يقلل الخبراء من تقدير أنفسهم. وفي السياق التعليمي يمنع الطلاب الضعفاء من طلب المساعدة؛ لأنهم يعتقدون أنهم يفهمون المقرر، مما يعيق التقدم.
الحل: استعمال أدوات التقويم الذاتي مثل: الاختبارات التشخيصية والتغذية الراجعة من الزملاء أو المعلمين. أيضا تعزيز عقلية النمو (growth mindset) عبر يوميات التأمل لتطوير إدراك دقيق للقدرات.
شقاء المعرفة (Curse of Knowledge)
يحدث هذا التحيز عندما يفترض الخبير أن الآخرين يشاركونه معرفته بالعمق نفسه، مما يجعل الشرح مختصر وغير واضح. في التعليم، ويؤدي إلى دروس معقدة لا يفهمها الطلاب، وبخاصة عندما ينسى المعلم حالة الجهل الأولية المحتملة لدى الطلاب.
الحل: تقديم السياق المعرفي عبر قصص أو أمثلة ملموسة، وتجنب الاستغراق في المفاهيم المجردة، كما يساعد طلب تغذية راجعة من الطلاب ضمان صحة الفهم
تحيز الإدراك المتأخر (Hindsight Bias)
وهذا التحيز يجعل الفرد يرى نتائج الأحداث الحالية كأنها كانت معروفة مسبقا وقابلة للتنبؤ، مما يؤدي إلى فكرة: “كنت أعرف ذلك منذ البداية”. وهو نوع من التحيز الإدراكي الذي يجعل الفرد يرى الأحداث كأنها كانت أكثر قابلية للتنبؤ مما كانت عليه فعليًا قبل حدوثها. وبعد معرفة النتيجة يميل الفرد إلى المبالغة في تقدير قدرتهم على التنبؤ بها، وهذا التحيز يذهب إلى تشويه الذاكرة، وإلى ثقة مفرطة في الحكم على المستقبل. ومن الأمثلة: ١-في الرياضة: بعد فوز مفاجئ لفريق ما يقول المشجع: “كنت أعرف أنهم سيفوزون”، رغم أنه لم يتوقع ذلك قبل المباراة. ٢- وفي الطب: يؤدي هذا التحيز إلى إلقاء اللوم غير العادل؛ كاتهام الطبيب بـ”الإهمال”؛ لأن التشخيص يبدو “واضحًا” ولكن بعد النتيجة. وفي التعلم يضعف هذا التحيز من القدرة على الاستفادة من الأخطاء، إذ يبدو الماضي واضحًا بعد النتيجة وليس قبلها.
الحل: الاحتفاظ بيوميات تعليمية لتسجيل التوقعات قبل الحدث، وممارسة التفكير النقدي بطرح سيناريوهات بديلة مثل “ماذا لو حدث خلاف ذلك؟”. فهذا يعزز التعلم من التجارب.
تأثير العربة (Bandwagon Effect)
ويتعلق هذا التحيز بزيادة احتمالية قبول فكرة ما إذا اعتقد الآخرون بها، مما يتجاهل التحليل والتفكير الفردي الذي قد يكون هو الأصوب. وفي التعلم يساهم هذا التحيز في انتشار الأفكار الجمعية الخاطئة بين الطلاب أو المعلمين، إذ يتبعون الاتجاهات الشائعة دون تمحيص وغربلة.
الحل: تشجيع التفكير النقدي للاتجاهات أو الأفكار السائدة اجتماعيا عبر المناقشات الجماعية؛ لتعزيز الآراء المستقلة. مع إمكانية تسليط الضوء على سلوكيات إيجابية شائعة لتشجيع الالتزام.