بيوت الداءِ التربوي: قراءة في جذور الأمراض المزمنة!
يقول الأطباء دائمًا: "المعدة بيت الداء"، فإذا فسدت المعدة فسد الجسد. فأين "بيت الداء" في المنظومات التعليمية؟! سؤال يبدو بسيطًا لكنه يفتح جرحًا عميقًا أعيا أطباء التربية كثيرًا!
في كل أزمة تربوية يتحول الجهد إلى لوم وملاسنة وربما ملاعنة! الأسرة تُلقي باللوم على المدرسة، والمدرسة تُلقيه على المناهج الدراسية، والمناهج تتهم المجتمع، والمجتمع يرمي كل شيء في وجه المعلم والتقنية والأجيال.
وندور في هذه الحلقة المفرغة منذ عقود؛ لأن البوصلة التي نوجهها نحو الطريق الصحيح لا تعمل، أو تائهة بين الاتجاهات الأربع!
إن أزمة التعليم هي انفصال مكونات التربية عن تكوين الإنسان الشامل بعقله وروحه وجسده، فعندما تتحول المدرسة إلى مصنع لضخّ الدرجات، والأسرة إلى مؤسسة خدمات، والمجتمع إلى سوق استهلاك؛يصبح التعليم كثيرًا والتربية قليلة!
الداء الأول: الدافعية الغائبة حين يدخل المتعلم المدرسة متأزّمًا ويخرج بليدًا!
كشفت دراسة نشرتها مجلة Journal of Educational Psychology أن أكثر من 60% من الطلاب في المراحل الثانوية يعانون من فقدان الدافعية الداخلية بحلول الصف الثامن مقارنةً بحماسهم الطبيعي في سنواتهم الأولى. فالطفلُ يُولدُ فضوليًا، والمدرسةُ تُخرجه متأفّفًا: متى ينتهي الدرس؟!
وعندما تحوّل التعلم إلى مجرد تكوين قطع معرفية جامدة لاجتياز الامتحانات، ثم تتبخّر تلك القطع نسيانًا بعده بأيام؛ أصبح التعليم إجراءً آلّيًا لا بناءً إنسانيًا. فالمنهج المزدحم، والمعلم المُثقل، والمتعلم المحاصر بين درجة ومستقبل مبهم؛ أصبح ضحية لنظام تعليمي صُمّم للإنجاز لا للإلهام والدفع للأمام! وهنا نفقد "بوصلة الشغف"!
الداء الثاني: هشاشة مثلث العلاقة، معلمٌ يُدرِّس ولا يَرى وطالبٌ يجلس ولا يُسمَع وأسرة منشغلة!
كشفت نتائج بحوث هاتي Hattie الشهيرة (Visible Learning) بعد تحليل أكثر من 800 دراسة علمية أن العلاقة بين المعلم والمتعلم هي أقوى عامل مؤثر في التحصيل الأكاديمي، متقدمةً على المنهج الدراسي والتقنية والبيئة المادية مجتمعةً. أي أن حجم تأثير العلاقة الإيجابية مع المعلم على التحصيل يساوي (0.72). وأن ( 75%) من الطلاب المتسربين من المدرسة أشاروا إلى الشعور بعدم الاهتمام من معلميهم!
وحين تُبنى المدرسة على الإجراء بدلًا من تكوين الإنسان ينبت الاغتراب بكل أشكاله!
وفي الأسرة المنشغلة في شؤون حياتها المعيشية، وغياب "الحديث المفتوح" في المنازل يجعل الأولاد يُفرِّغون مشاعرهم في الشاشات والأجهزة عوضًا عن الآباء.والتركيز على الحصول على الدرجات دون الاهتمام بمعنى التعلم يُولِّد ضغطًا مزمنًا لا تحفيزًا حقيقيًا. وهنا نفقد "بوصلة التواصل"!
الداء الثالث: فراغُ في أعماق المعنى: لماذا أتعلَّم؟ سؤالٌ لا يُجيب عنه أحد!
هذا هو الداء الجذر، فحين يسأل الطالب في قرارة نفسه: لماذا أتعلم هذا؟ ولا يجد جوابًا لا من المنهج الدراسي، ولا من المعلم، ولا من الأسرة؛ سيتحول التعليم إلى عبء ينتهي بالتخرج ولا يبدأ بعده.
وعلم الأعصاب التعليمي يؤكد أن الدماغ البشري لا يُرسِّخ معلومةً لا يجد لها صلةً بهدف أو معنى. فالمعلومة المعزولة عن السياق والقيمة تتساقط من الذاكرة كأوراق الخريف! وحين يتعلم الطالب تقرّبا من الله سبحانه وينفع الناس ويُعمِّر الأرض معنويًا وماديًّا؛ سيجد في التعلم وقودًا لا ينضب، بينما لو وجّه طاقته ونيّته ليجد وظيفة في سوق مُشبَّع؛ سيتحول التعلم إلى قلق مزمن!
ووُجد في دراسات OECD Education Research أن ربط التعلم بالمعنى والهدف يعد ضمن قائمة أكثر استراتيجيات التعلم فاعلية.
حين يفقد التعلم معناه العاطفي والروحي وصلته المستمرة بالغائيات التربوية الأعمق؛ يتحول إلى عبء لا إلى فرصة وميزة. وبيت الداء هنا: تجريد التعليم من الروح والدافع! وهنا نفقد "بوصلة القيمة"!
الداء الرابع: تآكل القدوة!
كلما تطورت وسائل التعليم ازدادت الحاجة إلى القدوة. فالطلاب لا يتعلمون من الكلمات فحسب؛ إنهم يتعلمون من النموذج الحيّ الذي أمامهم ومعهم، فيتعلمون من أسلوب المربّي في التفكير والحوار، وممارسة القيم والأخلاق النزاهة. فحين يفقد المتعلمون القدوات الموثوقة تبدأ التربية والمجتمع في دفع تكلفة ذلك! وهنا نفقد "بوصلة القيادة"!
فأين الدواء؟!
إن وصف الدواء يبدأ من اجتماع نبض قلوب ثلاثة: المعلم المُحِب، والوالد المتفاعل، والمتعلم الذي يجد معنًى لرحلته. فالتربية الحقّة ليست مداولة معرفة؛ إنما هي إيقادُ شعلةٍ خاملة! التي إذا أضاءت ستُضيء ما حولها بلا حدود! والتعلم والمعرفة في التصور الإسلامي انبثق من أول توجيه رباني "اقْرَأْ" لترسم طريقًا لفهم الإنسان لرسالته في الحياة، وتقليبه صفحات الآفاق والنفس ليتأمل ويؤمن ويتعلم ويعمل!